صديق الحسيني القنوجي البخاري
83
فتح البيان في مقاصد القرآن
وجملة وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً معطوفة على جاهدوا داخلة معه في حكم النفي واقعة في حيز الصلة ، والوليجة من الولوج وهو الدخول ، ولج يلج ولوجا إذا دخل ، فالوليجة الدخيلة ، قال أبو عبيدة : كل شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وليجة ، ويكون للمفرد وغيره بلفظ واحد وقد يجمع على ولائج وولج كصحائف وصحف . قال الفراء : الوليجة الباطنة من المشركين ، وقيل وليجة الرجل من يداخله في باطن أموره ، والمعنى واحد ، أي كيف تتخذون دخيلة أو بطانة من المشركين تفشون إليهم أسراركم وتعلمونهم أموركم من دون اللّه ، وقال قتادة : وليجة يعني خيانة ، وقال الضحاك : خديعة . وقال الراغب : الوليجة كل ما يتخذه الإنسان معتمدا عليه ، وليس من قولهم فلان وليجة في القوم إذا دخل فيهم وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ أي بجميع أعمالكم . ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أي ما ينبغي ولا يصح لهم أَنْ يَعْمُرُوا من عمر يعمر ، وقرىء من أعمر يعمر أن يجعلون لها من يعمرها عمارة معتدا بها . مَساجِدَ اللَّهِ قرىء بالجمع واختاره أبو عبيدة ، قال النحاس : لأنها أعم ، والخاص يدخل تحت العام ، وقد يحتمل أن يراد بالجمع المسجد الحرام خاصة لقوله وعمارة المسجد الحرام ، وهذا جائز فيما كان من أسماء الأجناس ، كما يقال فلان يركب الخيل وإن لم يركب إلا فرسا . وقرىء بالإفراد ويراد به جنس المسجد ، وعلى هذا يندرج فيه سائر المساجد ويدخل المسجد الحرام دخولا أوليا ، قال النحاس : وقد أجمعوا على الجمع في قوله : إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ . قلت : وهي أيضا محتملة للأمرين وعن الحسن البصري : إنما قال تعالى مساجد والمراد المسجد الحرام لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها فعامره كعامر جميع المساجد أو لأن كل بقعة وناحية من بقاعه ونواحيه المختلفة الجهات مسجد على حياله بخلاف سائر المساجد ، إذ ليس في نواحيها اختلاف الجهة ، ويؤيده القراءة بالتوحيد . قال الفراء : العرب قد تضع الواحد مكان الجمع كقولهم فلان كثير الدرهم وبالعكس ، كقولهم فلان يجالس الملوك ، ولعله لم يجالس إلا ملكا واحدا ، والمراد بالعمارة إما المعنى الحقيقي أو المعنى المجازي وهو ملازمته ودخوله والتعبد والقعود فيه ، وكلاهما ليس للمشركين ، أما الأول فلأنه يستلزم المنة على المسلمين بعمارة مساجدهم ، وأما الثاني فلكون الكفار لا عبادة لهم مع نهيهم عن قربان المسجد الحرام . قيل لو أوصى كافر ببناء المسجد لم تقبل وصيته ، وكذا يمنع من دخول المسجد